الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

463

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

روى الصدوق في ( صفات شيعته ) عن محمد بن الحنفية قال لمّا قدم أمير المؤمنين عليه السّلام البصرة بعد قتال أهل الجمل دعاه الأحنف بن قيس واتخذ له طعاما فبعث إليه عليه السّلام وإلى أصحابه فأقبل عليه السّلام ثم قال يا أحنف ادع لي أصحابي فدخل عليه قوم متخشعون كأنّهم شنآن بوال فقال الأحنف ما هذا الذي نزل بهم أمن قلّة الطعام أو من هول الحرب فقال عليه السّلام « يا أحنف ان للهّ سبحانه أقواما تنسكوا إليه في دار الدنيا تنسك من هجم على ما علم من قربهم من يوم القيامة من قبل ان يشاهدوها فحملوا أنفسهم على مجهودها ، وكانوا إذا ذكروا صباح يوم العرض على اللّه تعالى توهموا خروج عنق تخرج من النار يحشر الخلائق إلى ربهم تعالى ، وكتاب يبدو فيه على رؤوس الأشهاد فضائح دونهم ، فكادت أنفسهم تسيل سيلانا أو تطير قلوبهم بأجنحة الخوف طيرانا ، وتفارقهم عقولهم ( إذا خلت بهم من له الرجل المجرد إلى اللّه سبحانه غليانا » . فكانوا يحنّون حنين الواله في دجى الظلم ، وكانوا يفجعون ما أوقفوا عليه أنفسهم ، فمضوا ذبل الأجسام حزينة قلوبهم ، كالحة وجوههم ، ذابلة شفاههم خامصة بطونهم ، تراهم سكارى اسمارا ، في وحشة الليل متخشعون ، كأنّهم شنآن بوال ، قد أخلصوا للهّ سبحانه أعمالهم سرّا وعلانية ، فلم يناموا من فزع قلوبهم ، بل كانوا كمن حرسوا قباب خراجهم ، فلو رأيتهم في ليلتهم ، وقد نامت العيون ، وهدأت الأجساد وسكنت الحركات ، من الطير في الوكور ، وقد نبههم خوف يوم القيامة والوعيد كما قال سبحانه : أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ ( 1 ) . فاستقبلوا لها فزعين وقاموا إلى صلاتهم ، معولين باكين تارة وأخرى مسبّحين يبكون في

--> ( 1 ) الأعراف : 97 .